جان لوئيس بوركهارت
172
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
أخيرا . ومثل هذه الجزية يفرضها ملك سنار على القبائل الصغيرة بين الشايقية وبربر ، وهو يولى ملوكهم كما يولى ملك بربر . وينزل بربر أغراب كثيرون فضلا عن عرب الميرفاب ، ففيها دناقلة وعبابدة من صعيد مصر ، ومن هؤلاء من استوطن بربر ، ومنهم من تزوج من بربر وله بمصر أسرة أخرى . وليس لملك القبيلة على أبنائها العرب - لا سيما أبناء الأسر القوية - ، إلا أضعف النفوذ وأوهاه ، وهو لا يفرض ضريبة على حقولهم أو محاصيلهم ، ولكنه لا يرحم الغرباء لأن جل إيراده مما يجبيه منهم من ضرائب وما يبتزه من عطايا . والجزية التي يؤديها لسنار يجمعها من القبيلة كلها ، وهو جد حريص على ألا يخرج من هذه الصفقة خاسرا . أما المال الذي يؤديه لملك سنار نظير الاعتراف به خلفا للملك المتوفى فيجمع في الأكثر بقرض إجبارى يأخذه من أي قافلة يتفق مرورها إذ ذاك . والوصول إلى الحكم أمر ميسور لأي فرد من أفراد الأسرة الحاكمة أوتى من النفوذ والنفر والمال ما يكفل اختياره في سنار . وتقع قرى بربر الأربع على حافة الأرض الزراعية على مسيرة ساعة من النهر الذي يشق الصحراء الرملية . وتتألف كل قرية منها من اثنتي عشرة نزلة منفصلة على أبعاد متقاربة ، ويفصل البيوت عن بعضها البعض حيشان واسعة ، لذلك لا تجد في القرية شوارع منظمة ، وبناؤها لا بأس به ، وتبنى باللبن أو الآجر ، وليست في منظرها دون بيوت الصعيد . وفي كل بيت حوش كبير له قسم خارجي وآخر داخلي . وحول الحوش تقوم غرف الأسرة وكلها في الطابق الأرضي ، ولم أر في هذه البلاد طابقا أعلى أو سلما . وهم يسقفون البيوت بالعروق يمدونها فوق الجدران ثم يغطونها بالحصير ومن فوقه يرصون البوص ثم يبسطون على هذا كله طبقة من الطين . وللسقف منحدر ينزلق عليه ماء المطر فيجرى في أكثر البيوت في قناة تنتهى به إلى الحوش فيستحيل هذا الحوش وقت المطر بركة قذرة . وتسكن الأسرة غرفتين ، وتخزن المئونة في ثالثة ، وتستقبل الضيوف والأغراب في رابعة ، وكثيرا ما تؤجر خامسة للغوانى . وقل أن تشتمل الغرفة من النوافذ على أكثر من طاقة صغيرة ، فإذا أرادو مزيدا من الضوء فتحوا بابها . وأبوابهم من خشب